الشيخ محمد رشيد رضا

283

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بتحريف الالفاظ بالتقديم والتأخير والحذف والزيادة والنقصان ، وبتحريف المعاني بحمل الالفاظ على غير ما وضعت له . وقد اختار كثير من علمائنا الاعلام هذا المعنى في تفسير الآية وعللوه بأن التصرف في ألفاظ كتاب متواتر متعسر أو متعذر ، وسبب هذا الاختيار والتعليل عدم وقوف أولئك العلماء على تاريخ أهل الكتاب وعدم اطلاعهم على كتبهم ، وقياس تواترها على القرآن . والتحقيق الذي عليه العلماء الذين عرفوا تاريخ القوم واطلعوا على كتبهم التي يسمونها التوراة وغيرها ( وكذا كتب النصارى ) هو ان التحريف اللفظي والمعنوي كلاهما واقع في تلك الكتب ما له من دافع . وانها كتب غير متواترة . فالتوراة التي كتبها موسى عليه السّلام وأخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل بحفظها - كما هو مسطور في الفصل الحادي والثلاثين من سفر تثنيه الاشتراع - قد فقدت قطعا باتفاق مؤرخي اليهود والنصارى ولم يكن عندهم نسخة سواها ولم يكن أحد يحفظها عن ظهر قلب كما حفظ المسلمون القرآن كله في عهد النبي ( ص ) وهذه الاسفار الخمسة التي ينسبونها إلى موسى فيها خبر كتابته التوراة وأخذه العهد عليهم بحفظها وهذا ليس منها قطعا ، وفيها خبر موته وكونه لم يقم بعده أحد مثله إلى ذلك الوقت أي الذي كتب فيه ما ذكر من سفر التثنية . وهذا نص قاطع في كون الكاتب كان بعد موسى بزمن يظهر أنه طويل ، وكون ما ذكر ليس من التوراة في شيء ، ومن المشهور عندهم انها فقدت عند سبي البابليين لهم . وفي هذه الاسفار مالا يحصى من الكلم البابلي الدال على أنها كتبت بعد السبي ، فأين التواتر الذي يشترط فيه نقل الجم الغفير الذين يؤمن تواطؤهم على التبديل والتغيير في كل طبقة من الطبقات بحيث لا ينقطع الاسناد في طبقة مّا ؟ والمرجح عند محققي المؤرخين من الإفرنج ان هذه التوراة الموجودة كتبت بعد موسى ببضعة قرون ، والمشهور ان أول من كتب الاسفار المقدسة بعد السبي عزرا الكاهن في زمن ملك ارتحششتا الذي اذن له بذلك إذ أذن لبني إسرائيل بالعودة إلى بلادهم . وقد أوضحنا هذه المسألة في تفسير سورة آل عمران وسورة النساء ، وسنزيدها بيانا وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال « نسوا الكتاب » - وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد أنه قال : نسوا كتاب